تزدحم الملفات الشائكة في لبنان، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية... وكلها تحمل تحديات كبيرة لا بدّ أن يواجهها اللبنانيون بشيء من التكاتف والوحدة، لأنّ التفرقة والتشرذم تعقّد الأمور وتجعل الحلول صعبة جداً بل مستحيلة حتى لو اعتقد البعض أنها في متناول اليد.
لكن رئيس الحكومة مع الأسف الشديد لا يرى من هذه الملفات إلا صخرة الروشة، وهذا يستدعي الاستغراب لأنّه كشخص مسؤول يُفترض أن يكون واعياً ومدركاً لما قد يترتّب على مثل هذه التصرفات الكيدية التي لا تدلّ على أنّ صاحبها مؤهّل لأن يتبوّأ هذا المنصب الرفيع في الدولة اللبنانية.
يحاول رئيس الحكومة تبرير ما يفعله بأنه يحافظ على "هيبة الدولة"!
لكن السؤال هو عن أيّ دولة يتحدث؟
وهل هو وحده الدولة؟
الأكيد أنّ رئيس الجمهورية هو رمز الدولة، ومعه رئيس مجلس النواب وقائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية والقضائية،
وبناء عليه لا يستطيع رئيس الحكومة القول إنّ ما حصل في الروشة قبل عشرة أيام يشكّل مسّاً بـ "هيبة الدولة"،
لأنّ كلّ أركان الدولة لهم رأي مخالف لرأيه هو ومَن معه من وزراء ونواب.
وإضافة إلى ذلك فإنّ التعميم الصادر عنه هو تعميم إداري وليس قراراً صادراً عن مجلس الوزراء مجتمعاً، وبالتالي لا يمكنه مطالبة الجيش والقوى الأمنية بعدم تنفيذ ما يريده هو،خاصة أنّ هذه الأجهزة تلتزم بقرار من مجلس الوزراء وليس بتعميم إداري صادر عن رئيس الحكومة!
لذلك يكون السؤال الصحيح عكسياً... لماذا يمسّ رئيس الحكومة بـ "هيبة الدولة"؟
هنا لا بدّ من التنويه بما قام به الجيش ومعه القوى الأمنية خلال التحرك الشعبي الحاشد أمام صخرة الروشة وفعالية إضاءتها بصورتي السيدين الشهيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، حيث جرى التعاون مع المنظمين بشكل تامّ،
الأمر الذي جعل المناسبة تمرّ بطريقة سلسة ومن دون حصول أيّ خلل،
علماً أنّه بالتزامن مع هذا النشاط كانت الحركة في منطقة الروشة أكثر من طبيعية في المطاعم والمقاهي والمحلات المنتشرة في المنطقة، مع تسجيل زحمة سير جزئية على الطرقات الرئيسية والفرعية،
وهذا أمر طبيعي جداً بوجود هذا الحشد الشعبي الذي زاد عن الخمسين ألف مشارك وفق تقديرات المختصّين.
وهذا ما كان محلّ تقدير وتنويه من قبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الذي عبّر عن ذلك بكلّ صراحة ووضوح،
وذلك مباشرة بعد عودته من نيويورك، حيث قلّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل وسام الأرز الوطني من رتبة الوشاح الأكبر.
والقائد يستحقّ بالفعل هذا الوسام الرفيع، خاصة أنه سرعان ما أثبت جدارته في القيادة على مختلف المستويات،
سواء في حفظ الاستقرار الداخلي، أو لجهة دوره الأساسي في حماية الحدود الشمالية والشرقية،
وفي ضبط الخلايا والمجموعات الخارجة عن القانون في أكثر من منطقة، فضلاً عن الدور المحوري الذي يضطلع به في الجنوب لتطبيق القرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار مع العدو الإسرائيلي، حيث التعاون التامّ بين الجيش والمقاومة في أدقّ التفاصيل،
وكذلك تعاون الجيش مع "اليونيفيل" رغم بعض الشوائب التي تحصل حين تتحرك أيّ دورية لـ "اليونيفيل" بدون مواكبة الجيش، فيتولى المواطنون مهمة التصدّي لها والمطالبة بضرورة وجود الجيش اللبناني معها لأنّ أبناء الجنوب هم الأحرص على جيشهم الوطني ووجوده ودوره.
ولا يفوتنا بالطبع أن نذكر الدور المفصلي للجيش في جلسة مجلس الوزراء في 5 أيلول، والتي عرض خلالها قائد الجيش خطة الانتشار في منطقة جنوب الليطاني وتسلّم مخازن ومواقع المقاومة في تلك المنطقة،
رابطاً مهلة الانتهاء من هذه المهمة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب جيش الاحتلال من كلّ المواقع والتلال والنقاط التي احتلها خلال عدوانه الأخير على لبنان في خريف العام الماضي.
وقد أتت هذه الخطة، التي رحّب بها مجلس الوزراء، لتنسف قرارَي 5 و 7 آب اللذيْن أُريدَ منهما أخذ البلد باتجاهات سلبية ووضع الجيش في مواجهة المقاومة تنفيذاً لمطالب خارجية لا تهتمّ بمصير لبنان واللبنانيين،
لكن رئيس الجمهورية والجيش والمقاومة الحريصين على البلد فوّتوا الفرصة على المصطادين في الماء العكر وسحبوا فتائل التفجير في جلسة 5 أيلول الماضي، على أمل أن يُستكمل هذا المسار الإيجابي بالإلغاء النهائي لقراري 5 و 7 آب الماضي.
كما من الضروري أن يُستكمل في جلسة اليوم حيث يجب وضع حدّ لأيّ تصرفات شخصية أو كيدية ضدّ جمعية "رسالات" المعروفة بنشاطها الإبداعي المميّز فنياً وثقافياً وإعلامياً، وذلك بحجة مخالفتها للترخيص المُعطى لها من أجل إقامة فعالية صخرة الروشة،
وهذا أمر غير صحيح قانوناً إذ لا حاجة لأيّ ترخيص لإقامة نشاط من هذا النوع، لأنّ القانون نص على "حقّ التجمع" وليس على "إذن للتجمع"،
ولذلك يكفي فقط علم وخبر تعطيه الجهة المنظمة لوزارة الداخلية لكي تتولى أجهزتها الأمنية بالتعاون مع الجيش مهام حفظ الأمن، وهذا ما حصل وتمّ على أكمل وجه، والباقي يدخل في إطار الكيدية والتصرفات الشخصية وهذا ما يجب أن ينتهي اليوم،
إلا إذا كان هناك مَن يريد البقاء على صخرة الروشة تاركاً كلّ الملفات الأخرى التي تهمّ اللبنانيين في حياتهم اليومية وفي مستقبل أجيالهم الطالعة...


